الشوكاني

46

نيل الأوطار

دليل عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها ، وقد قالت عائشة : كنت أطيب رسول الله صل الله عليه وسلم لحله قبل أن يطوف ومعلوم أنه ( ص ) لم يحج بعد أن صحبته عائشة إلا حجة واحدة وهي حجة الوداع ، قال : ولا يقال لعلها طيبته في إحرامه بعمرة ، لأن المعتمر لا يحل له الطيب قبل الطواف بالاجماع ، فثبت أنها استعملت كان في مرة واحدة ، قال : وإنما تأولنا حديث الركعتين لأن الروايات المشهورة في الصحيحين مصرحة بأن آخر صلاته ( ص ) في الليل كانت وترا ، وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مشهورة بالامر بجعل آخر صلاة الليل وترا ، فكيف يظن به ( ص ) مع هذه الأحاديث وأشباهها أن يداوم على ركعتين بعد الوتر ، ويجعلهما آخر صلاة الليل ، قال : وأما ما أشار إليه القاضي عياض من ترجيح الأحاديث المشهورة ورد رواية الركعتين فليس بصواب ، لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينها تعين ، وقد جمعنا بينها ولله الحمد اه . وأقول ) : أما الأحاديث التي فيها الامر للأمة بأن يجعلوا آخر صلاة الليل وترا فلا معارضة بينها وبين فعله ( ص ) للركعتين بعد الوتر ، لما تقرر في الأصول أن فعله ( ص ) لا يعارض القول الخاص بالأمة ، فلا معنى للاستنكار ، وأما أحاديث أنه كان آخر صلاته ( ص ) من الليل وترا فليس فيها ما يدل على الدوام ، لما قرره من عدم دلالة لفظ كان عليه ، فطريق الجمع باعتباره صلى الله عليه وآله وسلم أن يقال إنه كان يصلي الركعتين بعد الوتر تارة ويدعهما تارة ، وأما باعتبار الأمة فغير محتاج إلى الجمع ، لما عرفت من أن الأوامر بجعل آخر صلاة الليل وترا مختصة بهم ، وأن فعله ( ص ) لا يعارض ذلك . قال ابن القيم في الهدى : وقد أشكل هذا يعني حديث الركعتين بعد الوتر على كثير من الناس ، فظنوه معارضا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا . ثم حكى عن مالك وأحمد ما تقدم ، وحكى عن طائفة ما قدمنا عن النووي ثم قال : والصواب أن يقال : إن هاتين الركعتين تجريان مجرى السنة وتكميل الوتر ، فإن الوتر عبادة مستقلة ، ولا سيما إن قيل بوجوبه فتجري الركعتين بعده مجرى سنة المغرب من المغرب فإنها وتر النهار ، والركعتان بعدها تكميل لها ، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل والله أعلم اه . والظاهر ما قدمنا من اختصاص ذلك به صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد ورد فعله صلى الله عليه وآله وسلم لهاتين الركعتين بعد الوتر من طريق أم سلمة عند أحمد في المسند ومن طريق غيرها ، قال الترمذي : روى نحو هذا عن أبي أمامة وعائشة وغير واحد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وفي المسند أيضا